مدى قوة تأثير الهوية في الفن التشكيلي الحديث في لبنان

     يُعدّ الفن التشكيلي الحديث في لبنان نموذجًا فريدًا لتفاعل الهوية مع الحداثة في الشرق الأوسط إذ يتجلّى فيه صراعٌ بين الانتماء المحلي والانفتاح العالمي. فلبنان بوصفها ملتقى حضاراتٍ وثقافاتٍ متعددة جعل من الهوية الفنية فيها ميدانًا غنيًّا بالتنوع والتأمل ما أدى إلى بروز فن حديث يحمل طابعًا خاصًا يمزج بين الأصالة والتجديد.

 


السياق التاريخي لتشكل الهوية الفنية

 

     بدأت ملامح الفن الحديث في لبنان بالظهور مطلع القرن العشرين في ظل الانتداب الفرنسي ثم مرحلة الاستقلال. في هذه المرحلة عاد الفنانون اللبنانيون الذين درسوا في أوروبا حاملين معهم المفاهيم الحداثية، ولكنهم أعادوا توظيفها بأسلوبٍ يعكس هويتهم المحلية.

 

     ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، تغيّر مضمون الفن ليصبح أكثر ارتباطًا بالذاكرة الجمعية وبقضايا الإنسان والوطن والانقسام الاجتماعي. هذا التحول جعل الهوية عنصرًا محوريًا في العمل الفني لا يمكن تجاوزه.

 

تجليات الهوية في التشكيل اللبناني الحديث

 

·       التأثر بالغرب وإعادة توظيفه

 

    اتّسمت البدايات بتأثر الفن اللبناني بالمدارس الأوروبية مثل الانطباعية والتعبيرية والتجريد، إلا أن الفنانين اللبنانيين لم ينسخوا تلك الأساليب، بل أعادوا صياغتها بما يتناسب مع الواقع المحلي.

فنانون مثل César Gemayel وSaliba Douaihy استخدموا الألوان والرموز الأوروبية في أعمالهم لكن ضمن سياقٍ يعكس البيئة اللبنانية والروح الشرقية.

 

·       العودة إلى الجذور والرموز المحلية

 

     في مقابل الانفتاح على الغرب ظهرت حركات فنية تعيد قراءة التراث العربي والإسلامي، مثل حركة التجريد الشرقي (Oriental Abstraction) التي دمجت بين الخط العربي والزخارف الإسلامية ومفاهيم الحداثة الغربية.

 

·       الهوية المتعددة والانفتاح الثقافي

 

     لبنان مجتمع متعدد الأديان والثقافات وهذا التنوّع انعكس على الانتاج التشكيلي، حيث نجد أعمالاً تعبّر عن التجربة المسيحية أو الإسلامية أو حتى التجارب الإنسانية العامة ما يجعل الهوية اللبنانية ذات طابعٍ تعدديّ متفاعل.

 

·       الهوية بعد الحرب: الذاكرة والصدمة

 

     بعد الحرب الأهلية برز فنانون مثل Huguette Caland وPaul Guiragossian وAyman Baalbaki الذين جعلوا من الهوية والذاكرة موضوعًا رئيسيًا لأعمالهم مستخدمين الرموز البصرية كأداة للشفاء وإعادة بناء الذات الوطنية.

 

مدى قوة تأثير الهوية

 

     يمكن القول إن الهوية تُشكّل جوهر التجربة التشكيلية اللبنانية الحديثة فهي ليست مجرد خلفية ثقافية، بل قوة دافعة تحدد اتجاهات الفن وأشكاله ومضامينه:

            •           على المستوى البصري: تتجلى الهوية في استخدام الألوان الدافئة المستوحاة من الطبيعة اللبنانية والزخارف الشرقية والخط العربي.

            •           على المستوى الفكري: تظهر في التفاعل بين الفرد والجماعة، بين الذاكرة والحاضر، وبين الانتماء الوطني والعالمي.

            •           على المستوى الوجداني: تتحول الهوية إلى أداةٍ للتعبير عن الصراع والحنين، وعن السعي المستمر لإيجاد توازن بين موروث الماضي وتطلعات المستقبل.

 

     إنّ قوة تأثير الهوية تكمن في كونها المحرك الأساسي الذي يمنح الفن اللبناني خصوصيته واستمراريته رغم التحديات السياسية والاجتماعية.

 

خِتامًا

 

     تُظهر التجربة اللبنانية أن الهوية ليست عنصرًا جامدًا، بل كيانًا متحوّلًا يتفاعل مع التحولات التاريخية والاجتماعية. لقد تمكن الفنانون اللبنانيون من تحويل أزماتهم السياسية والثقافية إلى لغة بصرية عالمية دون أن يفقدوا جذورهم الشرقية. ومن هنا يمكن القول إن الهوية في الفن التشكيلي اللبناني ليست مجرد موضوع، بل روحٌ تُحرّك الشكل والمعنى معًا.

 

المراجع

 

      1.         Tanrıkulu, B. (2025). Visual Traces of Art: The Case of Lebanon. Yıldız Journal of Art and Design, 1(12), 29-41.

      2.         Dalloul Art Foundation. (2020). The Enigma of the Lebanese Individuality. Retrieved from https://dafbeirut.org

      3.         Dalloul Art Foundation. (2021). The Emergence of Abstract Art in Lebanon.

      4.         OneFineArt. (2019). Deciphering the Modern Lebanese Painting Scene.

      5.         The National News. (2018). An Exploration of Lebanese Identity through Street Art.

 


Comments