المقدمة
عند دراسة التحولات الكبرى التي شهدها تاريخ الفن خلال العقود الأخيرة يتّضح أن مفهوم الفن العالمي Global Art لم يظهر فجأة، بل تبلور تدريجيًا نتيجة مجموعة من التغيرات الثقافية والسياسية بعد نهاية الحرب الباردة، وتوسع حركة العولمة، والانفتاح على الفنون القادمة من خارج أوروبا وأمريكا.
من خلال هذه المرحلة لم يعد الفن يُقرأ من منظور “المركز الغربي”، بل أصبح يشمل حضورًا متنوعًا للفنانين من دول آسيا، إفريقيا، أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط. كما أن الانتقال من فن العالم World Art إلى الفن العالمي Global Art يعني تجاوز النظرة الاستعمارية للفنون لصالح قراءة شاملة ومعاصرة تتعامل مع الإبداع البشري على قدم المساواة.
في هذا المقال أناقش أهم الخطوات التي ساهمت في ترسيخ هذا المبدأ منذ التسعينيات وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، وكيف أثّرت هذه التحولات على طريقة عرض وتدريس الفن وفهمه عالميًا.
تغيّر النظرة إلى “فن العالم” وبداية التفكير في الفن بوصفه ظاهرة عالمية
قبل التسعينيات كان “فن العالم” يشير غالبًا إلى الفنون غير الأوروبية التي تُعرض في المتاحف الغربية من منظور إثنوغرافي أي باعتبارها آثارًا ثقافية لا كأعمال فنية معاصرة. لكن مع تصاعد النقاشات الفكرية في نهاية الثمانينيات بدأت تظهر رغبة حقيقية في إلغاء الفصل بين الفن الغربي والفنون الأخرى والاعتراف بأن الإبداع البشري لا يمكن حصره في نموذج مركزي واحد. هذا التحول كان الأساس الذي مهّد للانتقال إلى مفهوم “الفن العالمي” الذي يمثل الفن المعاصر بكافة أشكاله وامتداداته الجغرافية.
بينالي هافانا (1984–1989) فتح المجال أمام العالم غير الغربي
يُعد بينالي هافانا واحدًا من أهم المحطات التي ساهمت في ظهور الفن العالمي. فقد جمع فنانين من دول أمريكا اللاتينية، إفريقيا، آسيا، والشرق الأوسط في مساحة واحدة خارج النظام الفني الغربي التقليدي.
تميّز البينالي بأنه منح الفنانين من “العالم الثالث” مساحة لعرض أعمالهم دون أن يُطلب منهم تقليد الأساليب الغربية أو الخضوع لمعايير أوروبية، وهذا شكّل خطوة محورية في توسيع مفهوم المعاصرة خارج حدود المركز الغربي.
معرض “Magiciens de la Terre” سنة 1989 — نقطة التحول الكبرى
يعتبر هذا المعرض الذي نُظّم في مركز بومبيدو في باريس أساسًا في تشكيل فكرة الفن العالمي. فقد جمع 100 فنان بنسبة 50% من الغرب و50% من غير الغرب، وقدمهم جميعًا على قدم المساواة لأول مرة.
الأهمية الحقيقية للمعرض كانت في أنه نقد العقلية الاستعمارية في المعارض الفنية السابقة وقدّم الفنانين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بأسمائهم الحقيقية، وتجاهل التصنيف الجغرافي التقليدي، وأظهر أن المعاصرة ليست ملكًا للغرب وحده، وبذلك شكّل بداية الاعتراف الدولي بأن الفن الحديث ليس امتدادًا لمدرسة واحدة، بل تفاعل عالمي متعدد الأصوات.
دخول العولمة الثقافية وارتباط الفن بالهويات المتقاطعة
في التسعينيات أصبحت العولمة عنصرًا أساسيًا في تشكيل الفن والعالم صار أكثر اتصالًا، والفن أصبح يعبر عن موضوعات تتعلق بـالهجرة، التبادل الثقافي، نقد الاستعمار، الهوية المتعددة والتكنولوجيا والاتصال، هذا الدور الجديد جعل الفنان “العالمي” ليس شخصًا يعيش في مركز غربي، بل أي فنان يستطيع التواصل مع قضايا العالم وطرح خطاب بصري يتجاوز حدوده المحلية.
توسع المعارض الدولية والبيناليات
شهدت التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين انفجارًا في عدد البيناليات والتظاهرات الفنية، مثل بينالي إسطنبول، بينالي جوهانسبرغ، بينالي الشارقة، بينالي غوانغجو وبينالي سنغافورة، هذه المعارض خلقت شبكات فنية جديدة لا تعتمد على أوروبا وأمريكا فقط، وأسهمت في جعل الفن نشاطًا عالميًا متبادلًا يعتمد على الحوار بين ثقافات متعددة لا ثقافة واحدة مهيمنة.
تغيّر دور المتاحف والأكاديميات
بدأت الجامعات والمتاحف في إعادة التفكير في مناهج تاريخ الفن ولم يعد التركيز على “الفن الأوروبي” هو السائد، بل ظهرت مدارس جديدة مثل مدرسة الدراسات الفنية العالمية في جامعة ليدن ومركز سينسبري Sainsbury للدراسات الفنية العالمية، هذه المؤسسات دعمت البحث الأكاديمي في الفنون العالمية، وأسهمت في تكوين جيل جديد من الباحثين الذين ينظرون إلى الفن ضمن رؤية عالمية شاملة.
دخول التكنولوجيا الرقمية وتحوّل العالم إلى مساحة فنية واحدة
مع بداية الألفية الجديدة أصبح الإنترنت أداة أساسية لنشر الفن والمعارض الافتراضية. حيث سمح للفنانين من جميع أنحاء العالم بالحضور في الساحة الفنية دون الحاجة إلى السفر أو الانتماء إلى مركز محدد مما عزز فكرة الفن العالمي بوصفه فنًا لا تحده جغرافيا.
الخاتمة
يمكن القول إن ترسيخ مبدأ الفن العالمي Global Art لم يكن حدثًا واحدًا، بل مسارًا طويلًا بدأ في أواخر الثمانينيات وبلغ ذروته في بداية القرن الحادي والعشرين. من خلال المعارض الدولية وتغيّر دور المتاحف، وتراجع المركزية الأوروبية، وصعود العولمة، أصبح الفن اليوم فضاءً مفتوحًا يتفاعل فيه الجميع على قدم المساواة. هذا التحول لم يُعد تشكيل خريطة الفن فحسب، بل غيّر طريقة تفكيرنا في المعاصرة والتنوع الثقافي، ودور الفنان في العالم المعاصر.
المصادر
1. Belting, Hans. Art History After Modernism. University of Chicago Press, 2003.
2. Harris, Jonathan. The Global Contemporary and the Rise of New Art Worlds. Wiley-Blackwell, 2011.
3. Mosquera, Gerardo. “The Havana Biennial and the Globalization of Art.” Third Text, 1996.
4. Martin, Jean-Hubert. Magiciens de la Terre. Centre Pompidou, 1989.
5. Smith, Terry. What Is Contemporary Art? University of Chicago Press, 2009.
6. Gardner, Anthony. Politics of Global Art. Duke University Press, 2016.
Comments
Post a Comment